سيدي محمد ولد بوبكر: قراءة في طموح سياسي مثير؟ / محمد السالك ولد إبراهيم

حتى وإن بَدَا متأخرًا ذلك الطموح السياسي الذي أبانَ عنه الوزير الأول الأسبق السيد سيدي محمد ولد بوبكر، من خلال الإعلان عن ترشحه للمنصب الأسمى في الجمهورية، فإن ظهوره -رغم ذلك- ربما يأتي في الوقت المناسب. ولا شك بأن الرجل، مهما تبايَنت الآراء حول تقييم ميراثه السياسي، فلن يستطيعَ أحدٌ المُزايدة على عُلوِّ كَعْبه، وتميُّز قُدُراتِه التّدْبيَّريَّة capacités managériales  ونظافة مسيرته المهنية. وسيبقى مهما كانت مآلات الإنتخابات القادمة، إضافةٌ نوعيةٌ للمشهد السياسي في البلاد إن هو قرَّرَ الإستمرار على الدَّرْب.

 

في تقديري، بأن  ما تحتاجه موريتانيا في المرحلة الراهنة ليس قائدا فّذٌّا، ولا زعيما خالدا، ولا رأس حربة جديد لنظام متحكم، يعيد إنتاجَ نفسِه باستمرار، إن ما تحتاجه البلاد - ببساطة فاقعة- هو رئيس "فريق عمل" متميز،  Un excellent Chef d'équipe  يتحلى، أولا وقبل كل شيء، بالأخلاق الحميدة، ويُؤمنُ ببلاده وشعبه.. ويتمتع بخبرة وتجربة تسمح له بأن يخدمهما بتواضع وبلا مزايدات.. فيُؤديَّ واجبه بأمانة وإخلاص، ثم يرحل بهدوء.. لِتستمرَّ من بعدهِ الحياةُ الطبيعيةُ للبلاد وأهلها.. بِلَا مَنٍّ ولا أذَى..

 

 ما تحتاجه موريتانيا في المرحلة الراهنة  هو بناء مؤسسات جمهورية  قوية، والإعتماد على طاقم عمل مُستنير، يكون رئيسُه مقتنعًا بأنه ليس مُخلِّصًا سماويا، وأن مهمته تنحصر في خدمة بلاده بجدية واستقامة، ضمن فترة زمنية محدودة سلفا.. وأن يكون على يقين بأن الشعب سيُحاسِبُه على هذا الأساس فحسب، وليس لأيَّة اعتباراتٍ أخرى..

 

فهل يمكن أن يكون المرشح السيد سيدي محمد ولد بوبكر، ذلك الرئيس المناسب لـ "فريق العمل" المطلوب لحسن تدبير شؤون البلاد في المرحلة القادمة؟ وإذا كان الرد بالإيجاب، فهل يتعيَّنُ على الناخبين الموريتانيين الإستثمار السياسي في هذا المرشح، من أجل قبل الطاولة وتغيير الحسابات السائدة؟ وبالتالي، هل سيكون المرشح جديرا بثقتهم؟

تلك في اعتقادي أسئلة محورية.. تتطلب تقديم إجابات عليها..

 

لقد دأبتُ -منذ عدة أشهر - على إبرَاز حاجة البلاد القُصوى لإيجاد "فُلْك سيَّاسي" استحضارا لرمزية سفينة نوح ودورها في إنقاذ البشرية من الطوفان، يُؤَمِّنُ النَّجاة لهذه البلاد وأهلِها من الغرق وسط أمواجٍ متلاطمة، ويُؤسسُ لنسقٍ سياسي جديد أو "براديغم"paradigme قد يتخذ شكل جبهة عريضة، تدعو لحوار وطني شامل، يُعيد تأسيس الجمهورية على قواعد متينة، تُكرس ديمقراطيةً حقيقية، وتستثمر في الرغبة بالعيش المشترك، وتحافظ على السلم الأهلي.

 

كما يعمل النسق الجديد على تجاوز الكثير من التناقضات الثانوية التي أفرزتها المراحل السابقة، ويتسامى على الثنائية القطبية وتَرِكة الخُصومات الموروثة بين طرفيْ المُولاة والمعارضة، كما ظهرتا خلال العشرين سنة الأخيرة، ما دامت نسبيةُ كلٍّ منهما قد اتَّضحت الآن للجميع، خاصة لعامة الشعب الموريتاني، وللشباب، والقوى الجدية الطامحة للتغيير.

 

وكنتُ قد أوضحتُ باستمرار، بأنَّ على هذا النَّسق السياسي الجديد أو "البراديغم" paradigme  أن يبشر بأن هدفه الأسمى إنما هو العملُ على تحقيق ثلاثية الأمن والاستقرار والتنمية المستدامة.. وتكريس الديمقراطية في موريتانيا..

 

أما اليوم، فإن بارقة أملٍ جديد تُخالِجُني في إمكانية أنْ يُشكِّل ترشُّح السيد سيدي محمد ولد بوبكر، أرضية مُلائمة لاحتضان مشروع "الفُلْك السيَّاسي" المذكور آنفا، وأن يرميَّ المُرشح بِثَقَلهِ من أجل تسهيل انبثاق إطار سياسي وطني جامع للخلاص، في مواجهة التكتيكات التي تُدفع الساحة السياسية حاليا في اتجاهها، خاصة محاولة إحراق المراكب، لإعادة إنتاج نظام حكمٍ غير مرغوب فيه على نطاق شعبي واسع، أو الدفع باتجاه العدمية السياسية والقفز نحو المجهول، وكذا خطر الإنخراط الماحِق في أجندةِ الصراعات والخصومات البَيْنِيَّة لبعض دول الخليج العربي، والمُجازفةَ بنقل أُوَارِها إلى داخل موريتانيا..

 

ولا شك بأن أهمَّ رصيدٍ يمكن أن يُعوِّل عليه المرشح لبلوغ هذه الأهداف، إنما هو الإستثمار في حجم الإحباطات المتراكمة وتحويل نقاط الضعف والمفاجآت، وتقلب المواقف والأحوال، خاصة في ميدان السياسة بين مُختلف فُرَقاءُ الساحة.. والمتزاحمين الطامحين لتدبير الشأن العام، إلى نقاط قوَّة.. بالإضافة إلى استغلال الآمال العريضة التي تصبو إليها غالبية الموريتانيين نحو غد أفضل للبلاد وأهلها، لو قُيِّضَ لها أن ترى النور ضمن مشروع للنهوض بالدولة والمجتمع، وانتشالهما من أوحال الهاوية المخيفة التي يُطِلَّان عليها في الوقت الراهن.

 

هذا من حيث استقراء السياق العام للحدث، أما من حيث فحوى الخطاب الذي دشن به المرشح حفل الإعلان عن ترشحه، فقد جاءت كلماته قوية، واثقة، شاملة ومعبرة بوضوح عن الخطوط العريضة لمواقف المرشح وتوجهاته السياسية، بشكل لم يعد يَدَعُ مجالا للشك بأنه سيكون المنافس الأقوى لمرشح النظام الجنرال محمد ولد الغزواني. وبالتالي، فإن الطموح السياسي للمرشح سيدي محمد ولد بوبكر، ربما سيشكل ديناميكية جديدة لقيَّام فعللٍ سيَّاسي غير نَمَطِي، يمكن للمشهد السياسي الوطني - على نطاق واسع- الرُّكون إليه وعقدُ الرهان عليه.

 

لكن، ورغم كل تلك الإشارات الإيجابية، أعتقد بأنه لم يعد من المقبول سياسيا، خاصة بعد كل التجارب السابقة، الإطمئنانُ إلى مجرد التعاقد الشكلي لإنجاح مرشح للفوز بالرئاسة - وليكن السيد سيدي محمد ولد بوبكر، الذي لا شك لديَّ بأنه شخصية جديرة بالثقة، وإضافةُ نوعية للمشهد السياسي الوطني-  بدون الإتفاق المسبق معه على الخطوط الكبرى لمحتوى إصلاحي مسؤول ومقبول، لا بد أن يستند إلى الإلتزام بتحقيق ثلاثية الأمن والاستقرار والتنمية المستدامة.. وتكريس الديمقراطية في موريتانيا وفقا لآليات ومساطر للتنفيذ و روزنامة واضحة المعالم..

 

إن مشكلة الموريتانيين - وهم الآن على أبواب مخاضات الإنتخابات الرئاسية القادمة- تكمن في ذهنية الرغبة في تملك السلطة وليس الرغبة في تسييرها.. الخطر يكمن في عقلية النظر دوما إلى السياسة كفرصة لتقاسم المغانم والمنافع.. وما لم يتغير إدراكنا للشيء السياسي.. في حد ذاته، فلا أرى بأن البلاد ستتحرك إلى أمام.. وسيستمر انتخاب أي مرشح للرئاسة بمثابة مَنحهِ شِيكًا على بياض.. لذلك، فسيكون من الضروري أن يُدَشِّنَ الناخبون الموريتانيون عصرا جديدا، يفرض على أصحاب الطموح السياسي، الأخْذَ بذلك التلازم الوثيق بين المسؤولية والمحاسبة.

 

في الأخير، أعتقد بأن المرشح السيد سيدي محمد ولد بوبكر، ربما تتوفر له فرصة تاريخية دون غيره من المرشحين- حيث سيكون المنافس الأقوى لمرشح النظام وهي ميزةٌ استراتيجية يَجدرُ به أن يُحسِنَ استغلالها- لاحتضان مشروع "الفُلْك السيَّاسي" من أجل إعادة تأسيس الجمهورية على قواعد متينة، تُكَرِّسُ ديمقراطيةً حقيقية، وتستثمر الرغبة في العيش المشترك، وتُحافظ على السلم الأهلي، ضمن مسعى جاد لبلورة خارطة طريق سلمية، تعيد الأمل إلى استحقاق تناوب 2019، وترفع عنه حكمًا مُسبقا بوقف التنفيذ كان قد صدر عليه بدون إمكانية للإستئناف.

 

محمد السالك ولد إبراهيم

انواكشوط،  2 إبريل 2019

medsaleck@gmail.com 

القسم: